الاستراتيجية الإسرائيلية التوسعية والأطماع الإيرانية الإقليمية
إلى ماذا يهدف ما يقوم به جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان من تدمير وتفجير للمنازل والبنى التحتية ومحو للقرى والبلدات والمدن عن الخارطة؟ فهل هو لتكريس احتلال نهائي يتبعه ضم إلى خارطة إسرائيل الكبرى وإعادة لبنان إلى ما كان عليه قبل عام ١٩٢٠؟
هذا الإحتلال جاء نتيجة انفراد حزب الله بقرار حرب إسناد غزة وإيران …
يعكس هذا الواقع واحدة من أكثر وجهات النظر تداولاً وحِدّة في السجال السياسي والإعلامي المعاصر حول مستقبل لبنان والمنطقة. ويطرح معادلة مرتبطة بمستويين: الأول يتعلق بالاستراتيجية الإسرائيلية التوسعية في الجنوب، والثاني يتعلق بالأطماع الإيرانية الإقليمية ودور حزب الله وتبعاته على الكيان اللبناني.
فيما يلي تحليل سياسي وأمني موضوعي يستعرض أبعاد السيناريوهات المطروحة، والقراءات المختلفة المفسرة لهذه التطورات:
أولاً: البُعد الأمني والميداني – تدمير الجنوب وشبهة “الضم”
تثير سياسة الأرض المحروقة والتدمير المنهجي للقرى والبلدات الحدودية في جنوب لبنان تساؤلات جادة حول الغايات العسكرية والاستراتيجية لإسرائيل:
- القراءة الأولى (استراتيجية الحزام الأمني وتجريد السلاح):
ترى القراءة العسكرية التقليدية أن إسرائيل تتبع تكتيكاً يهدف إلى تجريد المنطقة الحدودية من مقومات الحياة والبنية التحتية لحزب الله، لخلق “منطقة عازلة” (Buffer Zone) تجعل من العودة أو اتخاذ هذه المناطق كنقاط انطلاق للهجمات أمراً شديد الصعوبة. الهدف المعلن هنا هو تغيير الواقع الأمني لضمان أمن المستوطنات الشمالية.
- القراءة الثانية (مخطط التغيير الجغرافي والضم):
تتفق هذه القراءة مع الطرح الوارد في السؤال، حيث يُنظر إلى التدمير الشامل وتغيير المعالم كخطوة تتجاوز الأهداف التكتيكية نحو إحداث تغيير جيو- سياسي دائم. يستند أصحاب هذا الطرح إلى تصريحات للعديد من القادة والسياسيين اليمينيين المتطرفين في إسرائيل ممن ينادون برؤى توسعية نحو تحقيق “إسرائيل الكبرى”، ويعتبرون أن غياب الردع المباشر يعيد أطماع الضم للواجهة، مما يهدد السيادة الوطنية اللبنانية برمتها.
ثانياً: البُعد السياسي والإقليمي – حزب الله والدور الإيراني
تشكل مسألة ربط المصير اللبناني بالاستراتيجية الإيرانية محور الخلاف السياسي الأساسي داخل لبنان والمنطقة:
منظور النقد والمؤاخذة:
يرى هذا الاتجاه أن انفراذ حزب الله باتخاذ قرار فتح جبهة “إسناد غزة” ثم جبهة “إسناد إيران” أطلق العنان لمواجهة غير متكافئة تحمل فيها لبنان ومجتمعه الأكلاف الأكبر. وفق هذه المقاربة، يُعتبر حزب الله ذراعاً تنفيذية للمشروع الإيراني التوسعي في المشرق العربي، مما أدخل البلاد في نفق مظلم يُعرض وجودها وسيادتها للسطوة الإسرائيلية ويهدد بنيتها الوطنية والاجتماعية التي تشكلت بعيد عام 1920 (دولة لبنان الكبير).
- منظور حزب الله وحلفائه:
في المقابل، يرى الحزب وحلفاؤه أن وجود سلاحه وعملياته الميدانية هما الردع الوحيد المتبقي أمام “العدوانية الإسرائيلية المتواصلة”، وأن إسرائيل لا تحتاج إلى أسباب لتنفيذ مخططاتها التوسعية. يعتبر هذا الفريق أن القتال حماية للبنان ولمستقبله في مواجهة مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالكامل تحت الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية.
ثالثاً: مستقبل الكيان اللبناني وحدود 1920
طرحُ فكرة “عودة لبنان إلى ما قبل عام 1920” يعبر عن مخاطر وجودية تحيط بالصيغة اللبنانية:
الأبعاد الرئيسية للأزمة الوجودية اللبنانية
الإنهاك الاقتصادي والمؤسساتي: يعاني لبنان أصلاً من انهيار مالي وفراغ سياسي، مما يجعل قدرته على تحمل تبعات المواجهة العسكرية والتدمير الشامل ضعيفة جداً مقارنة بمراحل تاريخية سابقة.
التفتت المجتمعي والسياسي: أدت الحرب وتداعياتها إلى تجذير الانقسام العمودي بين المكونات اللبنانية، وسط اتهامات متزايدة بالانفراد بقرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
الشرعية والسيادة: تراجع قدرة الجيش اللبناني والدولة على فرض السيادة في المناطق الحدودية أمام معادلات الصراع الإقليمي يزيد من احتمالات جعل المنطقة عرضة لمشاريع التقسيم أو نفوذ القوى الخارجية.
خلاصة التحليل
يقف لبنان اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخه الحديث؛ فالمشهد في الجنوب لا يقف عند حدود مواجهة عسكرية موقتة، بل يلامس مستقبل الحدود الجغرافية للبلاد والأنظمة السياسية الحاكمة فيها.
إن النجاح في تفادي سيناريوهات الضم الإسرائيلي أو التفتت الداخلي يتطلب مراجعة سياسية شاملة تُعيد الاعتبار لمفهوم “الدولة الوطنية الجامعة” ومؤسساتها الدستورية، واستعادة قرار السلم والحرب داخل أروقة الشرعية اللبنانية، جنبًا إلى جنب مع حشد موقف دولي ضاغط للجم الاعتداءات الإسرائيلية وإلزام كافة الأطراف بقرارات الشرعية الدولية (وعلى رأسها القرار 1701).
