محاولات طمس تاريخ وإنجازات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول) لمحو الذاكرة الجماعية

تجربة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول) محطة بارزة في تاريخ العمل المقاوم في لبنان، فعندما كانت تنفذ عملياتها ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي كانت تتجنب أي خطر على مجتمعها وكانت تؤجّل وتلغي عملياتها بحال كانت ستتسبب بالأذية والضرر للمدنيين على عكس المقاومة الإسلامية (حزب الله) التي لا تأخذ في الحسبان خسائر ومصير بيئتها كما هو الحال اليوم.

عند مقارنة الأساليب والتوجهات بين المقاومة الوطنية اللبنانية وبين المقاومة الإسلامية، يمكن استعراض عدة نقاط تاريخية وميدانية لتوضيح الصورة:

تميزت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول)، بأنها ضمت قوى علمانية ويسارية (كالحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي وغيرها) من كل الأطياف والمناطق اللبنانية، بطابع عسكري وطني ركز بشكل أساسي على أسلوب حرب العصابات والعمليات الخاطفة، حيث تجنّبت أذيّة المدنيين وحرصت في عملياتها على استهداف الآليات والجنود الإسرائيليين بشكل مباشر بعيداً عن المناطق المأهولة.

أما المقاومة الإسلامية (حزب الله)، فقد اعتمدت استراتيجية التموضع في مناطق مأهولة دون أي اعتبار لتعرض المدنيين لخطر الاعتداءات والردود الإسرائيلية، حيث يعتبر حزب الله وجود مقاتليه بين بيئته هو فعل دفاعي.

مقارنة بين المبادئ والظروف

“جمّول” عملت بإمكانيات محدودة جداً وفي ظروف صعبة كان فيها الاحتلال موجوداً داخل العاصمة والجبل والساحل والمدن الكبرى، مما فرض نمطاً معيناً من العمليات. بينما المقاومة الإسلامية (حزب الله) تنفذ اليوم مشروعاً إقليمياً وتقاتل على جبهات مفتوحة ومتعددة بدعم عسكري ومالي إيراني غير محدود.

في المقارنة بين التجربتين يتبيّن لنا أن “جمّول” كنموذج للمقاومة الوطنية الجامعة  راعت النسيج الاجتماعي بدقة، بينما نموذج المقاومة الإسلامية أي حزب الله لم ولا يأخذ في الإعتبار الأكلاف البشرية والمادية العالية ولا الجغرافيا حيث يعتبرها خسائر جانبية.

الصراع على السردية التاريخية

يسعى حزب الله لأدلجة تاريخ المقاومة وحصرها في صبغة واحدة كإنجاز تاريخي له وحده، فإنه يركز في إعلامه وخطابه على إنجازات “المقاومة الإسلامية”. هذا التركيز يؤدي “تلقائياً” أو “عمداً” إلى تهميش دور جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول) التي انطلقت قبل تأسيس حزب الله بسنوات، حيث نفذت عمليات نوعية في قلب بيروت والجبل والساحل وفي الجنوب والبقاع الغربي وراشيا، وبعدما حررت حوالي ٨٠% من تلك المناطق اللبنانية المحتلة خلال ثلاث سنوات ونصف فقط تم اغتيالها وإقصائها من قبل نظام ملالي إيران بالتكافل والتضامن مع نظام حافظ الأسد.

بعد اتفاق الطائف ونهاية الحرب الأهلية عام 1990، تغيرت موازين القوى وطرأت تحولات جذرية حيث تم تجريد معظم الميليشيات والقوى الوطنية من سلاحها، بينما استمر حزب الله بسلاحه تحت شعار “مقاومة الاحتلال” الذي كان لا يزال قائماً في الجنوب.

هذا الواقع الميداني انعكس على الإعلام؛ حيث أصبح صوت المقاومة الإسلامية هو الأعلى، وغابت قصص شهداء الحزب الشيوعي، والقومي السوري، والبعث، وحركة أمل، وغيرهم من الذين أسسوا العمل المقاوم في الثمانينيات.

هناك اختلاف ايديولوجي جوهري في الرؤية، جمّول كانت تنطلق من خلفية وطنية، علمانية، ويسارية، تهدف لتحرير الأرض وبناء دولة ديمقراطية، أما المقاومة الإسلامية (حزب الله) تنطلق من خلفية دينية وعقائدية مرتبطة بمحور إقليمي.

هذا الاختلاف يجعل “تبني” إنجازات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية من قبل القوى الحالية أمراً صعباً، لأن المبادئ التي قامت عليها “جمّول” تتناقض مع المشروع السياسي لحزب الله.

هناك محاولات استعادة الذاكرة لإعادة الاعتبار لـ “جمّول”، من خلال إحياء ذكرى انطلاقة الجبهة في 16 أيلول 1982 ونشر مذكرات المقاومين الأوائل وتوثيق عملياتهم، والتأكيد على أن المقاومة ليست حكراً على طائفة أو تيار، بل هي فعل تراكمي بدأته القوى الوطنية اللبنانية.

بناءً على ذلك، إن طمس إنجازات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول) ليس مجرد نسيان أو إهمال، بل هو جزء من عملية متعمدة لتسييس الذاكرة ومحوها لتعزيز سردية حزب الله على حساب تاريخ جماعي شاركت فيه أطياف لبنانية متنوعة

 

شارك هذا الموضوع