بين “بريق الكاميرا” و”رماد الجنوب”: ثقافة الاستعراض في زمن النكبة
تحت أضواء الاستوديو المبهرة، حيث تفوح رائحة العطور الفاخرة وتترتب الأوراق بأناقة بالغة، تجلس الشاعرة “المثقفة”.
كل شيء هنا مدروس بدقة
زاوية الإضاءة التي تُبرز ملامح “النخبوية”، فنجان القهوة الأنيق، والابتسامة المدربة جاعلةً من الثقافة مجرد “إكسسوار” يخدم الـShow Business والضجيج الإعلامي.
لكن خلف هذا الديكور الأنيق، تختبئ حقيقة مشوهة. فعندما تلتفت هذه الشاعرة نحو الجنوب اللبناني، لا ترى في عيون أهله المشردين وتحت أنقاض بيوتهم عمق الألم والمأساة، بل تمارس عبر شاشتها وتغريداتها نوعاً من “الفوقية الباردة”. تسخّف النكبة، وتخفف من حجم الكارثة، معتبرةً أن أنين الأمهات وفقدان الأرض والتهجير أمر “مبالغ فيه” ولا يرتقي لمستوى المصيبة الكاملة!
نيرونية السوشيال ميديا والإقصاء
في عالمها الافتراضي، تتحول الشاعرة إلى نسخة رقمية من “نيرون”؛ تعزف على قيثارة ادعاء المعرفة بينما تحترق قرى الجنوب. تمارس دوراً إقصائياً فجّاً ضد كل من يخالفها الرأي، متناسيةً أن النخبة الثقافية الحقيقية هي التي تنحاز للإنسان وتلتحم بوجعه، لا التي تتعالى عليه من أبراج عاجية وتصفي حساباتها الأيديولوجية على حساب دماء الناس وأحزانهم.
هناك فرق شاسع وفجوة عميقة بين جمهورين:
جمهور التصفيق: هم فئة تطبل لكل تغريدة واهية، مدفوعة بتبعية عمياء أو سطحية مطلقة، لا ترى أبعد من قشور المظاهر.
جمهور النقد: هم نخبة حقيقية، واعية ومثقفة، تفكك هذا الخطاب “المغرور الواهي” وتنتقد انعدام الموضوعية والمصداقية في مقاربة مأساة الجنوب.
الهرولة خلف الضوء
إنها شهوة التواجد في قلب الحدث، ليس من أجل نصرة الحق أو توثيق الحقيقة، بل عشقاً في “التريند” وبحثاً عن الضوء والضجيج. عندما تغيب المصداقية وتتحول المعاناة الإنسانية إلى مادة للإعجاب وجذب المشاهدات، تسقط الأقنعة الثقافية لتكشف عن جوف فارغ لا يملأه إلا حب الظهور، ولو كان ذلك على حساب كرامة وألم أهل الجنوب المشردين وسط الركام والرماد.
